الجواد الكاظمي

412

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

« بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمانِ » أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الايمان ، واشتهارهم به ، والمراد إمّا تهجين نسبة الكفر أو الفسق إلى المؤمنين ، أو الدّلالة على أنّ التنابز فسق ، والجمع بينه وبين الايمان مستقبح ، وفيه إشعار مّا بعدم الاجتماع بينهما ، وأنّ الفاسق لا يطلق على المؤمن « ومَنْ لَمْ يَتُبْ » عمّا نهى عنه ويرجع إلى طاعة اللَّه « فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » بسبب وضعهم العصيان موضع الطَّاعة ، وتعريضهم أنفسهم للعذاب . « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ » كونوا على جانب منه ولا تقاربوه وذكر الكثير ليحتاط في كلّ ظن ويتأمّل حتّى يعلم أنّه من أيّ قبيل هو من الظنّ فانّ منه ما يجب اتّباعه كالظنّ حيث لا قاطع فيه من العمليّات ، وحسن الظنّ باللَّه وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي ( 1 ) « أنا عند ظنّ عبدي » وقوله « ولا يموتنّ

--> ( 1 ) أصول الكافي باب حسن الظن باللَّه الحديث 3 رواه عن علي بن موسى الرضا عليه السّلام واللفظ أحسن الظن باللَّه فان اللَّه عز وجل يقول أنا عند ظن عبدي المؤمن بي ، إن خيرا فخيرا وان شرا فشرا ، وهو في المرآة ج 2 ص 93 وفي شرح ملا صالح ج 8 ص 220 وفي الوافي الجزء الثالث ص 59 ورواه في الوسائل الباب 16 من أبواب جهاد النفس ج 2 ص 450 ط أمير بهادر وروى مثله عن عيون أخبار الرضا أيضا وسرده في الاخبار القدسية أيضا في الجواهر السنية باب ما جاء عن الإمام علي بن موسى الرضا ص 357 ط بغداد 1384 . قال المجلسي ره في المرآة هذا الخبر مروي من طرق العامة أيضا وقال الخطابي معناه أنا عند ظن عبدي في حسن عمله وسوء عمله لان من حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه انتهى . قلت وهو في صحيح مسلم بشرح النووي ج 11 ص 12 وأخرجه السيوطي أيضا في الجامع الصغير بالرقم 6051 ج 4 ص 491 فيض القدير عن أحمد عن أبي هريرة وبالرقم 6066 عن الحاكم عن أنس . وأخرجه محمد المدني في الاتحافات السنية ص 10 بالرقم 58 و 59 و 60 و 61 بألفاظه المختلفة عن ابن أبي الدنيا والترمذي وابن حبان وابن عدا والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي والشيرازي في الألقاب وأحمد وتمام عن أنس وأبي هريرة وواثلة بلفظ قال اللَّه وأخرجه بلفظ يقول اللَّه أيضا في ص 29 بالرقم 190 عن أحمد ومسلم والترمذي عن أنس وأبي هريرة وبوجه آخر في ص 33 بالرقم 209 عن أحمد والشيخين والترمذي وابن ماجة وابن حبان عن أبي هريرة وأخرجه في مجمع الزوائد ج 2 ص 318 عن أحمد والطبراني عن واثلة وقال رجال أحمد ثقات وعن أحمد عن أنس وفي ج 10 ص 148 عن الطبراني عن معاوية بن حيدة . ثم الحديث القدسي على ما في كشاف الاصطلاحات والفنون للفاروقي هو الذي يرويه النبي ( ص ) عن ربه ويسمى بالحديث الإلهي أيضا وقال الحلبي في حاشية التلويح في الركن الأول عند بيان معنى القرآن الأحاديث الإلهية هي التي أوحاها اللَّه تعالى إلى النبي ( ص ) ليلة المعراج وتسمى بأسرار الوحي انظر ص 142 ج 1 حاشية التلويح ط إسلامبول 1384 . وللمحقق الداماد ره - في الفرق بينه وبين القرآن والأحاديث النبوية في الرشحة الثامنة والثلاثين ص 204 من كتابه الرواشح السماوية بيان يعجبنا نقله بعين عبارته قال أعلى اللَّه مقامه الشريف : سبيل وهط في الفرق بين الحديث القدسي وبين القرآن وبين الأحاديث النبوية . أما القرآن فهو الكلام المنزل بألفاظه المعينة في ترتيبها المعين للإعجاز بسورة منه والحديث القدسي هو الكلام المنزل بألفاظ بعينها في ترتيبها بعينه لا لغرض الاعجاز ، والحديث النبوي هو الكلام الموحى إليه ( ص ) بمعناه لا بألفاظه فما آتانا عليه وآله صلوات اللَّه وتسليماته فهو جميعا من تلقاء إيحاء اللَّه سبحانه إليه : « وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » لكن الوحي على ثلاثة أنحاء . وقال فرق : الحديث القدسي ما أخبر اللَّه نبيه معناه بالإلهام أو بالمنام فأخبر النبي أمته بعبارة عن ذلك المعنى ، فلا يكون معجزا ولا متواترا ، كالقرآن . قال الطيبي فضل القرآن على الحديث القدسي أنه نص إلهي في الدرجة الثانية وان كان من غير واسطة الملك غالبا ، لان المنظور فيه المعنى دون اللفظ ، وفي التنزيل اللفظ والمعنى منظوران ، فعلم من هذا مرتبة بقية الأحاديث . قلت ويشبه أن يكون حق التحقيق أن القرآن كلام يوحيه اللَّه تعالى إلى النبي ص معنا ولفظا فيتلقاه النبي ( ص ) من روح القدس مرتبا ، ويسمعه من العالم العلوي منظما ، والحديث القدسي كلام يوحى إلى النبي ( ص ) معناه فيجري اللَّه على لسانه في العبارة عنه ألفاظا مخصوصة في ترتيب مخصوص ليس للنبي ( ص ) أن يبدلها ألفاظا غيرها أو ترتيبا غيره ، والحديث النبوي كلام معناه مما يوحى إلى النبي ( ص ) فيعبر عنه حيث يشاء كيف يشاء انتهى ما أردنا نقله من الرواشح السماوية . ونقل المدني في الاتحافات السنية ص 190 عن الفاروقي عن فوائد الأمير حميد الدين في الفرق بين القرآن والحديث القدسي وجوها ستة : الوجه الأول : أن القرآن معجز ، والحديث القدسي لا يلزم أن يكون معجزا والثاني أن الصلاة لا تكون الا بالقرآن بخلاف الحديث القدسي ، والثالث أن جاحد القرآن يكفر بخلاف جاحده ، والرابع أن القرآن لا بد فيه من كون جبرئيل عليه السّلام واسطة بين النبي ( ص ) وبين اللَّه تعالى بخلاف الحديث القدسي ، والخامس أن القرآن يجب أن يكون لفظا من اللَّه تعالى والحديث القدسي يجوز لفظا من النبي ( ص ) والسادس أن القرآن لا يمس إلا بالطهارة والحديث القدسي يجوز مسه انتهى . لكنك عرفت من بيان المحقق الداماد ان الحديث القدسي أيضا من لفظ اللَّه وانه موحى إلى النبي ( ص ) بألفاظه .